|
د. محمد بن سعود البشر
جريدة الجزيرة - الجمعة 11 شوال 1429- العدد 13161
الفضيلة في الفضائيات.. والجمعية الناشئة
في منتصف الثمانينيات الميلادية من القرن المنصرم، أي قبل اثنين وعشرين عاماً، كان الطلبة السعوديون وبعض الطلبة العرب المبتعثون إلى الولايات المتحدة في تخصصات الإعلام المختلفة يختارون موضوعات لبحوثهم تتناول ظواهر التأثير السلبي للقنوات التلفزيونية التي تبث برامجها عبر ما يسمى ب(الكيبل). كان ذلك يحدث كثيراً أثناء دراستهم اللغة الإنجليزية قبل التحاقهم بالجامعات. يكتبون عن تأثير برامج العنف على الأطفال، أو تأثير مشاهد الجنس على أخلاق الناشئة، أو انعكاسات الجريمة على سلوك المراهقين، أو غير ذلك من موضوعات تستهوي الطالب السعودي والعربي المبتعث إلى بلاد يقتطع فيه التلفزيون وبرامجه جزءاً كبيراً من وقت المشاهد.
وفي نظري أن اختيار المبتعثين لمثل هذه الموضوعات في السنوات الأولى من الابتعاث له سببان:
الأول: تفشي مظاهر التأثير السلبي للبرامج التلفزيونية بشكل ملحوظ على سلوك أفراد المجتمعات الغربية، وخصوصاً الناشئة منهم. ويرجع ذلك الى اهتمام مالكي القنوات التلفزيونية بالوظفية الترفيهية على حساب الوظائف الأخرى لوسائل الإعلام، مثل التعليم، والتثقيف، والتوجيه، وغيرها. هذه الوظيفة الترفيهية اتخذت من مشاهد العنف أو الجنس (بكل أشكاله ومستوياته) محوراً رئيساً في البرامج التي تخدمها، وهو بالتالي ما يظنونه (وربما يكون صحيحاً في تلك المجتمعات) عامل جذب للجمهور والمعلن.
الثاني: أن مثل هذه الظواهر السلبية كانت جديدة على الطلبة السعوديين والعرب، الذين لم تعرف بلادهم في ذلك الوقت البث المباشر، وانتشار القنوات التلفزيونية الفضائية كما هو حال الفضاء العربي اليوم.
بعد ما يقارب ربع قرن من الزمان، شهد العالم العربي تحولات كبيرة تقودها وسائل الإعلام الفضائية، وما كتب عنه الطلبة المبتعثون أصبح حقيقة معاشة في مجتمعاتهم. فالقنوات الفضائية العربية، وبخاصة في السنوات القليلة الماضية، باتت تتنافس في تقديم الفجور والفساد الأخلاقي للجمهور، عن طريق البرامج المستوردة والمدبلجة، أو من خلال المشاهد (المحلية الصنع) المتضمنة لمظاهر الانحطاط الأخلاقي أو المعبرة عن السلوكيات الشاذة عن قيم المجتمعات العربية، أو الإعلانات التجارية المخلة بالذوق وآداب المهنة، أو النقل التلفزيوني للحفلات الراقصة في الملاهي الليلية، أو غير ذلك من مشاهد الرذيلية التي لا تخفى على ذي لب وعقل ونبل وفضيلة.
هذا الفضاء الملوث يذكرنا بالدعوات التي ظهرت في أوروبا وأمريكا تذكر بأهمية (المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام) تجاه المجتمع والجمهور للحد من ظاهرة الفجور التلفزيوني، وتقليل مخاطره على الأطفال والناشئة، ذكوراً وإناثاً، قبل أكثر من أربعين سنة عندما ارتفعت أصوات العقلاء هناك بأن (كفى) استهتاراً وسخرية بقيم المجتمع.
واليوم نشهد دعوات إلى الفضيلة أسهمت وسائل الإعلام في اندثارها، دعوات صادقة لمالكي القنوات الفضائية التجارية لاحترام الجمهور، وحماية أخلاقه، والكف عن التمادي في الترفيه غير البريء الذي ينخر في بناء المجتمع ويقضي على ما فيه من الفضيلة.
(جمعية الدعوة إلى الفضيلة في وسائل الإعلام) التي أعلن عنها مؤخراً تمثل صدى إيجابياً لتذمر الجمهور السعودي والعربي من برامج الفضائيات، وهي جمعية ناشئة انطلق نداؤها من هذه البلاد الطاهرة لتعبر عن صوت المجتمع السعودي المحافظ، وتدعو المجتمعات العربية لتكون عوناً لها في مهمتها للحفاظ على الفضيلة في المجتمع العربي كله.
وإن من ملامح الفخر والاعتزاز بهذه الجمعية ما يلي:
أولاً: انطلاقتها المباركة من بلاد الحرمين الشريفين، التي لا تزال -ولله الحمد- صاحبة المبادرات النبيلة في الدعوة الى حماية الدين والذب عن قيمه ومبادئه.
ثانياً: أنها سعودية الفكرة والمنشأ، عربية الرسالة والهدف. ولذلك كانت مهمتها: (تأسيس جمعية خاصة لحماية المجتمعات العربية والإسلامية من التأثيرات الضارة لبعض القنوات الفضائية)، ومحاولة القائمين عليها تسجيلها في عدة دول عربية، بالوسائل القانونية المعتبرة.
ثالثاً: أنها خطوة حضارية في تفعيل مؤسسات المجتمع المدني الأهلية، تحمي أخلاقه وتنشر الفضيلة فيه، وتواجه الرذيلة في كل صورها وأشكالها التي تقدم عبر برامج الإعلام، الفضائي على وجه الخصوص.
رابعاً: أن مؤسسات الجمعية كلهن نساء مؤهلات في العلم والأخلاق، يمثلن شريحة من النخب النسائية في هذا الوطن الذي يقدم دوماً نماذج للمرأة العاملة المنتجة، المحافظة على دينها وثقافتها وأخلاقها. وفي ذلك إجابة واضحة صريحة على الأبواق التي تردد في صفحاتنا وغيرها أن المرأة السعودية (نصف معطل) في المجتمع، وأن ليس لها دور في تنميته؛ وأي دور أسمى وأجل من أن تعمل المرأة في مجتمعها لتحافظ على قيمه وأخلاقه وحماية نسيجه من الفساد.
إن أجمل ما في هذه الجمعية الناشئة هو رسالتها التي تحمي بها الفضيلة، ومنطلقها الذي يرتكز على مقررات وتوصيات إعلان مدريد الصادر في 15 رجب 1429هـ عن المؤتمر العالمي لحوار الأديان الذي دعا إليه ورعاه خادم الحرمين الشريفين، وورد فيه ما نصه: (التعاون بين المؤسسات الدينية والثقافية والتربوية والإعلامية على ترسيخ القيم الأخلاقية النبيلة، وتشجيع الممارسات الاجتماعية السامية، والتصدي للإباحية والانحلال وتفكك الأسرة، وغير ذلك من الرذائل المختلفة).
فهنيئاً للوطن بأبنائه:
المخلصين لمنهجه،
الأغيار على قيمه وفضائله.
المصدر:
http://www.al-jazirah.com.sa/2008jaz/oct/10/rj7.htm  |